مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
11
تفسير مقتنيات الدرر
ثمّ شرح ذلك بقوله : * ( [ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيه ِ ] ) * والمراد من إقامة الدين التمسّك به والعمل بموجبه والدوام عليه والدعوة به للخلق « وَلا تَتَفَرَّقُوا » أي ائتلفوا فيه ولا تختلفوا وكونوا عباد اللَّه إخوانا متّفقين في الدّين كما قال يوسف عليه السّلام : « أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّه ُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ » « 1 » وقال تعالى : « وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْه ِ أَنَّه ُ لا إِله َ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ » « 2 » . واحتجّ بعضهم بقوله : « شَرَعَ لَكُمْ » على أنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله في أوّل الأمر كان مبعوثا بشريعة نوح والجواب ما بيّنّاه . قوله : * ( [ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْه ِ ] ) * من توحيد اللَّه والإخلاص له خاصّة ورفض الأوثان لأنّهم قالوا : « أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلهاً واحِداً » فثقل هذا الأمر عليهم ولذلك عظم اختيارنا لك في النبوّة وتخصيصك بالوحي من دونهم . فبيّن سبحانه أنّه ليس لهم الاختيار * ( [ اللَّه ُ يَجْتَبِي إِلَيْه ِ مَنْ يَشاءُ ] ) * لرسالته على حسب ما يعلم من قيامه بأعباء الرسالة ، واشتقاق لفظ الاجتباء يدلّ على الضمّ والجمع ومنه جبى الخراج وجبى الماء في الحوض فقوله : « اللَّه ُ يَجْتَبِي إِلَيْه ِ » أي يضمّه إليه ويقرّ به منه تقريب الشرف والرحمة وهو كما روي في الخبر : من تقرّب منّي شبرا تقرّبت منه ذراعا ومن أتاني بمشي أتيته هرولة * ( [ وَيَهْدِي إِلَيْه ِ مَنْ يُنِيبُ ] ) * أي من أقبل إليّ بطاعته أقبلت إليه بهدايتي بأن أشرح له صدره ولمّا بيّن أنّه سبحانه أمّ كلّ الأنبياء والأمم بالأخذ بالدين كان لقائل أن يقول : فما السبب أن نجد الأمم متفرّقين ؟ فأجاب اللَّه عنهم بقوله : * ( [ وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ] ) * لأنّهم فعلوا ذلك التفرّق للبغي وطلب الرياسة فحملتهم الحميّة النفسانيّة على أن ذهب كلّ طائفة إلى مذهب ودعا الناس إليه فصار ذلك سببا لوقوع الاختلاف . ثمّ أخبر سبحانه أنّهم استحقّوا العذاب بسبب هذا الفعل إلَّا أنّه أخّر عذابهم لأنّ لكلّ عذاب عنده أجل مسمّى ووقتا معلوما فقال : * ( [ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ ] ) *
--> ( 1 ) يوسف : 39 . ( 2 ) يوسف : 109 . ويس : 43 . والأنبياء : 25 . والحج : 52 . والزخرف : 23 .